المقريزي
283
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الأعز ، وجماعة من الأعيان ، ونزل بها الأكابر من الصوفية . وأخبرني الشيخ أحمد بن عليّ القصار رحمه اللّه : أنه أدرك الناس في يوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفية خانقاه سعيد السعداء عندما يتوجهون منها إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكميّ ، كي تحصل لهم البركة والخير بمشاهدتهم ، وكان لهم في يوم الجمعة هيئة فاضلة ، وذلك أنه يخرج شيخ الخانقاه منها وبين يديه خدّام الربعة الشريفة قد حملت على رأس أكبرهم ، والصوفية مشاة بسكون وخفر إلى باب الجامع الحاكميّ الذي يلي المنبر ، فيدخلون إلى مقصورة كانت هناك على يسرة الداخل من الباب المذكور تعرف بمقصورة البسملة ، فإنه بها إلى اليوم بسملة قد كتبت بحروف كبار ، فيصلي الشيخ تحية المسجد تحت سحابة منصوبة له دائما ، وتصلي الجماعة ، ثم يجلسون وتفرّق عليهم أجزاء الربعة فيقرؤون القرآن حتى يؤذن المؤذنون ، فتؤخذ الأجزاء منهم ويشتغلون بالتركع واستماع الخطبة ، وهم منصتون خاشعون ، فإذا قضيت الصلاة والدعاء بعدها قام قارئ من قرّأ الخانقاه ورفع صوته بقراءة ما تيسر من القرآن ، ودعا للسلطان صلاح الدين ، ولواقف الجامع ولسائر المسلمين ، فإذا فرغ قام الشيخ من مصلاه وسار من الجامع إلى الخانقاه والصوفية معه كما كان توجههم إلى الجامع ، فيكون هذا من أجمل عوايد القاهرة ، وما برح الأمر على ذلك إلى أن ولي الأمير يلبغا السالميّ نظر الخانقاه المذكورة في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وسبعمائة ، فنزل إليها وأخرج كتاب الوقف ، وأراد العمل بما فيه من شرط الواقف ، فقطع من الصوفية المنزلين بها عشرات ممن له منصب ومن هو مشهور بالمال ، وزاد الفقراء المجرّدين وهم المقيمون بها في كلّ يوم رغيفا من الخبز ، فصار لكلّ مجرّد أربعة أرغفة بعد ما كانت ثلاثة ، ورتب بالخانقاه وظيفتي ذكر بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد صلاة الصبح ، فكثر النكير على السالميّ ممن أخرجهم ، وزاد الإشلاء . فقال بعض أدباء العصر في ذلك : يا أهل خانقة الصلاح أراكم * ما بين شاك للزمان وشاتم يكفيكم ما قد أكلتم باطلا * من وقفها وخرجتم بالسّالم وكان سبب ولاية السالميّ نظر الخانقاه المذكورة ، أن العادة كانت قديما أنّ الشيخ هو الذي يتحدّث في نظرها ، فلما كانت أيام الظاهر برقوق ولي مشيختها شخص يعرف بالشيخ محمد البلاليّ قدم من البلاد الشامية ، وصار للأمير سودون الشيخونيّ نائب السلطنة بديار مصر فيه اعتقاد ، فلما سعى له في المشيخة واستقرّ فيها بتعيينه ، سأله أن يتحدّث في النظر إعانة له ، فتحدّث ، وكانت عدّة الصوفية بها نحو الثلاثمائة رجل ، لكلّ منهم في اليوم ثلاثة أرغفة زنتها ثلاثة أرطال خبز ، وقطعة لحم زنتها ثلث رطل في مرق ، ويعمل لهم الحلوى في كلّ شهر ، ويفرّق فيهم الصابون ، ويعطي كلّ منهم في السنة عن ثمن كسوة قدر أربعين